سهيلة عبد الباعث الترجمان

540

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

- تمهيد : يتناول هذا الجزء من البحث الكشف عن الجوانب الخفيّة من حياة أحد متصوفة بغداد الأفذاذ في أواخر القرن الثامن ، وأوائل القرن التاسع للهجرة ، هو الشيخ العارف باللّه عبد الكريم الجيلي . فقد مارس الجيلي الحياة الروحية بعيدا عن التكلّف ، ولم يصطنع منهجا علميا خاصا به على غرار الصوفية المتفلسفين ، بل كان علمه وهبيا قائما على الذوق والكشف ، إذ أنه خبر الحياة الصوفية منذ حداثته ، فلازم القوم ودخل خلوتهم وشاهد أساليبهم ، وعاين أحوالهم ، وتخلّق بأخلاقهم ، وآمن بأقوالهم ، فجمع بين الخبر والمشاهدة ، فصدّق كلامهم ونطق بأحوالهم ، واكتمل ما عنده من استعداد فطري للكمال ، وظل يترقّى في الأحوال والمقامات إلى أن تحقق في مقام التّمكين ، وأصبح في عداد الواصلين . ولم يكن حال الجيلي أفضل من حال ابن عربي وغيره من صوفية المسلمين ، فقد تعرّض لحملات الطاعنين عليه والمرجفين بحقه لقصورهم عن فهم كلامه والغاية التي يرمي إليها في كتبه ومؤلفاته ، كما أن الأمر لم يخل من المؤيدين والمعجبين ، المادحين لثقافته ، الآخذين عنه أقواله وآرائه ، فقد اتهمه الفقهاء بالقول بالحلول والاتحاد والأفكار المنافية لروح الإسلام . ولن نألو جهدا في الكشف عن حقيقة هذا الصوفي الكبير وسيرته الذاتية ، وذلك من خلال استعراضنا لحياته وسياحاته ، وشيوخه الذين تتلمذ لهم ، وأعمالهم ، بالإضافة إلى خصائص منهجه ، معتمدين أولا على ما نستجليه من كتبه ورسائله ذاتها ، وعلى ما دوّنه عنه الآخرون ( رغم ضآلتها ) ثانيا ، بحيث يزول الغموض الذي يكتنف حياته وحقيقة مذهبه . - حياته : هو الشيخ عبد الكريم ، الملقب بقطب الدين ، أو بعفيف الدين على ما جاء في صدر بعض رسائله « 1 » ومحي الدين الثاني على ما سجله شاهد قبره ابن إبراهيم بن عبد

--> ( 1 ) الجيلي ( عبد الكريم ) ، حقيقة اليقين وزلفة التمكين ، ( مخطوط ) ، مكتبة الأوقاف ، بغداد ، رقم 7071 ، ص 139 ، دار الكتب المصرية برقم 208 ، تصوف ضمن مجموعة ، ص . ص 2 - 3 . ( وانظر كحالة ( عمر رضا ) ، معجم المؤلفين ، الجزء الخامس ، ص 313 ) .